السيد محمد حسين فضل الله
8
من وحي القرآن
تفضيل الرسل بعضهم على بعض لا يعني اختلاف الهدف في الآية حديث عن تفضيل اللّه لبعض الرسل على بعض ، وحديث عن اختلاف أممهم من بعدهم واقتتالهم ، فكيف نفهم ذلك ؟ 1 - أما التفضيل ، فقد يخطر في البال ، أن المراد به تفضيل القيمة ، لما توحي به الكلمة من الأفضليّة ، ولكن التدبّر في الآية يوحي أنه بمعنى الميزة والخصوصية التي يمنحها اللّه لبعض الناس دون بعض الحكمة يراها ، من دون أن تعني امتيازا ذاتيا . وهذا ما نستوحيه من الآيات التي تحدث عن تفضيل بني إسرائيل على العالمين ، حيث إن البارز فيها هو تفضيل النعمة لا تفضيل القيمة ، ولهذا لم يمنع لذلك من ذمّهم ولعنهم في آيات كثيرة من القرآن ، وربما يؤكد ذلك ، أن اللّه عندما فصّل التفضيل ، جعل منه تكليم اللّه لبعضهم ، وجعل منه رفعه لبعضهم درجات ، الأمر الذي نستوحي منه ، أن التفضيل قد يأتي بمعنى لا يفرض ارتفاع المنزلة . وبهذا نردّ على من تساءل أن فقرة وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ بمثابة تكرير لما تفيده كلمة التفضيل . فإن المعنى الذي أشرنا إليه يبتعد بالآية عن ذلك كما هو واضح . ولكن ذلك لا ينفي انطلاق القيمة في التفضيل من تفاضل العناصر الذاتية الموجودة في كل واحد منهم ، كما قد تكون من الألطاف الإلهية التي اختص بها اللّه بعضهم ببعض الامتيازات والمهمات ، انطلاقا من الظروف الموضوعية المحيطة بالمرحلة الزمينة ، والتحديات المتنوعة ، والأوضاع الاجتماعية أو بعض القضايا الخفية التي اختص اللّه بعلمها ، مما يفرض الحاجة إلى معجزة معينة في مجتمع ما ، ومعجزة أخرى في مواجهة هذا التحدي ، وصفات مميزة في هذا النبي أو ذاك تبعا للدور الذي أوكل إليه أو المهمة التي كلف بها .